فصل: (مسألة: شراء المتصرف في أموال الغير لنفسه)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان في مذهب الإمام الشافعي



.[مسألة: شراء المتصرف في أموال الغير لنفسه]

قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولا يجوز للوكيل والوصي أن يشتري من نفسه) وجملة ذلك: أن المتصرفين في أموال غيرهم ستة: الأب، والجد، ووصيهما، والحاكم، وأمينه، والوكيل وقد اختلف الناس هل يجوز لهم أن يشتروا من أنفسهم، ويبيعوا؟ على أربعة مذاهب:
ف الأول: ذهب الشافعي إلى: (أنه يجوز للأب والجد أن يبيعا من نفسه مال ابنه الصغير ويشتري له من نفسه، وقد مضى ذكر ذلك، ولا يجوز لغيرهما).
والثاني: قال مالك، وأبو حنيفة: (يجوز للأب والجد، ووصيهما).
والثالث قال الأوزاعي: (يجوز ذلك للجميع). وحكى أصحاب مالك ذلك عنه.
والرابع قال زفر: لا يجوز ذلك لواحد منهم.
دليلنا: أن غير الأب والجد تلحقهم التهمة، ويتنافى الغرضان في بيعهم من أنفسهم، فلم يصح.
إذا ثبت هذا: فإنه لا يجوز للوكيل أن يشتري مال موكله لابنه الصغير، ولا لمن يلي عليه بوصية، أو وكالة؛ لأنه بيع من نفسه، وهل يصح بيعه من ابنه الكبير، أو أبيه، أو أمه، أو مكاتبه؟ فيه وجهان:
أحدهما يصح؛ لأن القابل غيره.
والثاني: لا يصح: لأنه تلحقه التهمة في ذلك، ولهذا لا تقبل شهادته لواحد منهم.
وإن باع من عبده المأذون له.. لم يصح؛ لأن ذلك بيع من نفسه، وإن من
زوجته، أو أحد قرابته غير الوالدين والمولودين.. صح البيع، وجها واحدا؛ لأنه لا تلحقه في ذلك تهمة.
وإن وكله أن يبيع من نفسه.. ففيه وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي العباس: يصح البيع، كما يصح أن يوكل المرأة في طلاقها.
والثاني: قال سائر أصحابنا لا يصح؛ لأنه يجتمع فيه غرضان متضادان، الاستقصاء للموكل في الثمن والاسترخاص لنفسه، ويخالف الطلاق، فإنه يصح بالزوج وحده.
وقال الطبري: وكذلك إذا وكله أن يهب لنفسه أو يبرئ نفسه.. فعلى الوجهين.
قال المحاملي: وكذلك إذا زوج نفسه من ابنة عمه بإذنها، أو كاتب العبد نفسه على نجمين بإذن سيده.. فعلى الوجهين.
وإن وكله في إبراء غرمائه من دينه، وكان الوكيل من غرمائه.. لم يكن له أن يبرئ نفسه، وجها واحدا.
وإن وكله في تفرقة ثلثه على الفقراء والمساكين.. لم يكن له أن يصرف على نفسه من ذلك شيئا وإن كان فقيرا؛ لأنه مخاطب في أن يخاطب غيره، فلا يدخل في خطاب غيره، كما قلنا فيه إذا وكله في البيع وأطلق.. فليس له أن يبيع من نفسه.
وإن وكله بالبيع من ابنه الكبير أو أحد والديه أو مكاتبه.. صح ذلك، وجها واحدا، لأن التهمة انتفت عنه، وإن وكله أن يبيع من عبده المأذون له.. احتمل أن يكون على الوجهين إذا وكله أن يبيع من نفسه؛ لأن البيع له.
وإن وكله عمرو أن يشتري له عبدا من زيد، ووكله زيد في بيعه من عمرو.. فاختلف أصحابنا فيه:
فقال ابن الصباغ: فيه وجهان، كما لو وكله أن يبيع من نفسه.
وقال الشيخان، أبو حامد وأبو إسحاق: لا يصح ذلك، وجها واحدا لتضاد الغرضين؛ لأن عليه الاستقصاء للبائع بالثمن، والاسترخاص للمشتري.
وإن وكل رجلا في خصومة رجل، ووكله الآخر في خصومته.. ففيه وجهان:
أحدهما: يصح؛ لأن الحكمان لا يتضادان؛ لأن الخصومة هو أن يذكر حجة كل واحد منهما، ويعرضها على الحاكم، وذلك ممكن من الواحد.
والثاني: لا يصح؛ لأن على الوكيل أن يحتال في إبطال حجة من وكل في إبطال خصومته والقدح فيها، وتصحيح حجة موكله، وهذا مما يجتمع فيه غرضان متضادان، فلم يصح.

.[فرع: توكيل عبد غيره في شراء]

وإن وكل رجل عبدا لغيره، ليشتري له نفسه، أو عبدا غيره من سيده.. ففيه وجهان:
أحدهما: يصح، كما لو وكله أن يشتري له من غير سيده.
والثاني: لا يصح؛ لأن يده كيد سيده، فلم يصح، كما لو وكل السيد نفسه.
قال ابن الصباغ: فإذا قلنا لا يصح.. فلا كلام، وإن قلنا يصح، فإن ذكر العبد في الشراء: أنه يشتري لغيره في العقد.. كان للذي سماه، وإن أطلق وادعى أنه اشترى لغيره، فإن صدقه السيد.. كان له مطالبة الموكل بالثمن، وإن كذبه، وقال: بل اشتريت لنفسك.. حلف السيد: أنه لا يعلم أنه اشتراه لغيره؛ لأن الظاهر أنه اشتراه لنفسه، ويعتق، ويطالبه بالثمن. والذي يقتضي المذهب: أنه لا يعتق إذا صدق الموكل العبد أنه وكله في الشراء، أو أنه اشترى له.

.[مسألة: توكيل العبد في شراء سلعة موصوفة]

وإن وكله أن يشتري له سلعة موصوفة، مثل: أن يقول: ابتع لي عبدا حبشيا أو زنجيا أو ثوبا هرويا أو مرويا.. لم يجز له أن يبتاع معيبا من ذلك.
وقال أبو حنيفة: (يجوز؛ لعموم أمره، كما يجوز ذلك للعامل في القراض).
دليلنا: أن إطلاق البيع يقتضي السلامة من العيب، كما إذا باع سلعة، فوجدها المشتري معيبة.. فله ردها، ويخالف العامل في القراض؛ لأن المقصود هناك شراء ما يربح فيه، وقد يكون الربح في شراء المعيب، بخلاف ما يشتريه لغير القراض، فإن المقصود به القنية، والمعيب لا يقتنى.
إذا ثبت هذا فإن اشترى الوكيل معيبا مع علمه أنه معيب.. لم يصح الشراء للموكل؛ لأنه خالف مقصود إذنه.
وإن اشتراه ولم يعلم أنه معيب، ثم علم أنه معيب.. صح الشراء للموكل، فإن علم الموكل به ورضي به معيبا.. لم يجز للوكيل رده؛ لأن الملك للموكل، وقد رضيه معيبا، وإن لم يعلم به الموكل.. فللوكيل أن يرده بالعيب؛ لأن حكم العقد يتعلق به، بدليل: أن حق القبول له، فكان له رد المعيب كما لو اشتراه لنفسه، ولأن كون المبيع معيبا أدخل على موكله ظلامة، فكان له رفعها، فإذا أراد الوكيل الرد، فقال له البائع: لا ترد حتى تستأذن الموكل فلعله يرضى بالعيب، فإن لم يرضه قبلته منك.. لم يلزم الوكيل تأخير الرد؛ لأنه حق تعجل له فلم يلزمه تأخيره، فإن أخر الوكيل الرد بهذا الشرط فهل يسقط حقه في الرد؟ ففيه وجهان:
أحدهما: يسقط لأنه ترك الرد مع إمكانه.
والثاني: لا يسقط؛ لأنه إنما أخر الرد بشرط.
فإن قال البائع للوكيل: لا ترد فلعل موكلك قد بلغه الشراء والعيب ورضي به.. فالقول قول الوكيل من غير يمين لأن البائع لم يضع عليه شيئا، وإن قال البائع: قد علم الموكل ورضي به فإن أقام البينة بذلك.. لم يكن للوكيل الرد؛ لأن الملك للموكل، وقد رضي به، وإن لم يكن مع البائع بينة وادعى أن الوكيل يعلم ذلك.. فالقول قول الوكيل مع يمينه؛ لأن الأصل عدم رضى البائع، ويحلف الوكيل: أنه لا يعلم أن الموكل قد علم ذلك ورضيه، ولا يحلف على القطع؛ لأنه يحلف على نفي فعل غيره.
فإذا رد الوكيل، ثم حضر الموكل، وقال: قد كنت علمت بالشراء والعيب، ورضيت به، فإن صدقه البائع على ذلك أو كذبه، وأقام الموكل على ذلك بينة.. لم يقع رد الوكيل موقعه، وكان للموكل استرجاع المبيع؛ لأن رد الوكيل إنما يصح إذا لم يرض به الموكل، وقد ثبت رضاه.
وإن رضي به الوكيل معيبا، أو ترك الرد مع إمكانه.. سقط حقه من الرد؛ لأن رد المبيع إذا كان معيبا.. إنما يكون على الفور، فإن حضر الموكل ورضي به معيبا، أو أقر: أنه كان قد علم به ورضيه، أو قامت به بينة عليه.. استقر البيع وإن لم يرض به الموكل.. نظرت في الوكيل:
فإن ذكر في الشراء: أنه يشتري لموكله، أو نوى: أنه يشتري له، وصدقه البائع على ذلك.. ثبت للموكل الرد؛ لأن الملك له.
وإن لم يذكره الوكيل في الشراء، ولا صدقه البائع أنه نواه.. فالقول قول البائع مع يمينه أنه لا يعلم أن الوكيل ذكر الموكل في الشراء ولا نوى الشراء له؛ لأن الظاهر أن الوكيل اشتراه لنفسه، فإذا حلف البائع.. انقطعت الخصومة بينه، وبين الوكيل، وتبقى الخصومة بين الوكيل والموكل، وهل تلزم السلعة الوكيل، أو الموكل؟ ذكر الشيخ أبو حامد أن السلعة تلزم الموكل. وذكر في المهذب: أنها على وجهين:
أحدهما: وهو المنصوص: (أنها تلزم الوكيل).
والثاني: تلزم الموكل.
والذي تبين لي: أن الشيخ أبا حامد أراد بذلك: إذا تصادق الوكيل والموكل: أن الشراء وقع بعين مال الموكل، وأن الشيخ أبا إسحاق أراد: إذا تصادقا أن الشراء وقع بثمن في ذمة الوكيل؛ لأنه قال: المنصوص: (أن السلعة تلزم الوكيل) لأنه ابتاع في الذمة ما لم يأذن له فيه، ومن أصحابنا من قال: تلزم الموكل؛ لأن العقد وقع له، وقد تعذر الرد بتفريط الوكيل.
فإذا قلنا: إن السلعة تلزم الوكيل.. لزمه أن يغرم للموكل ما سلم إليه من الثمن بالغا ما بلغ.
وإن قلنا: إن السلعة تلزم الموكل.. لزم الوكيل أن يغرم له: الأرش؛ لأنه دخل النقص على الموكل بتفريط الوكيل، وفي قدره وجهان:
أحدهما: تقوم السلعة صحيحة، ثم تقوم معيبة، فإن نقصها العيب العشر من قيمتها.. رجع عليه بعشر الثمن، كما قلنا في الرد بالعيب.
والثاني: قال أبو يحيى البلخي: ينظر كم قيمة السلعة وكم الثمن الذي دفعه الموكل؟ فإن كانا سواء، أو قيمة السلعة أكثر.. لم يرجع عليه بشيء، وإن كانت قيمة السلعة تسعين، والثمن مائة.. رجع عليه بعشرة؛ كما قلنا في شاهدين شهدا على رجل: أنه اشترى عبدا بمائة، فحكم عليه الحاكم، وألزمه الثمن، ثم رجعا عن الشهادة، فإن المشتري يرجع عليهما بما نقص من قيمة العبد عن الثمن وهو المائة.
والأول أصح؛ لأنه عيب فات الرد به من غير رضاه، فرجع عليه بما ذكرناه، كما لو اشترى عينا فوجد بها عيبا بعد أن حدث بها عيب بيده، ويخالف الشاهدين؛ لأنهما لم يفوتا على المشتري الرد بالعيب، وإنما غرماه الثمن.
وإن وكل رجل رجلا ليشتري له سلعة بعينها من رجل، فاشتراها، ووجد بها الوكيل عيبا لم يعلم به الموكل.. فهل للوكيل أن يردها؟ فيه وجهان:
أحدهما: له ذلك؛ لأن حكم العقد به يتعلق، فكان له الرد، كما لو وكله في ابتياع سلعة موصوفة.
فعلى هذا: حكمها حكم السلعة الموصوفة، وقد مضى.
والثاني: ليس له الرد؛ لأنه قطع اجتهاده بتعيينها. والأول هو المنصوص.

.[مسألة: وكل ببيع عبد فباع بعضه]

وإن وكله ببيع عبد، فباع الوكيل بعضه.. نظرت:
فإن لم يقدر الموكل الثمن، أو قدر له الثمن، فباع بعضه بأقل من الثمن المقدر.. لم يصح البيع.
وقال أبو حنيفة: (يصح البيع).
دليلنا: أنه بيع غير مأذون فيه؛ لأن على الموكل ضررا في الشركة في العبد.
وإن قال له: بع جميع العبد بمائة، فباع بعضه بالمائة.. صح البيع؛ لأنه بيع مأذون فيه من طريق العرف؛ لأن من يرضى ببيع العبد بمائة يرضى ببيع بعضه بمائة، إلا أن يكون قال: بعه من فلان بمائة، فباع بعضه منه بمائة.. لم يصح؛ لأن الموكل قصد تخصيص المشتري المعين بجميع العبد بالثمن المقدر، فلا تجوز مخالفته.

.[فرع: وكل بشراء عبد فباع بعضه]

وإن قال: اشتر لي عبدا موصوفا، أو معينا، فاشترى له بعضه.. لم يصح الشراء في حق الموكل؛ لأن عليه ضررا في الشركة في العبد.
وإن وكله أن يشتري له عبدا بثوب، فاشترى له العبد بنصف الثوب، صح البيع؛ لأنه زاده خيرا؛ لأن من يرضى العبد بثوب يرضاه بنصف الثوب.
وإن وكله في بيع أعبد، أو شراء أعبد.. نظرت:
فإن أطلق الإذن.. جاز أن يبيع الأعبد ويشتريهم صفقة واحدة، وجاز في صفقات؛ لأن الإذن مطلق، ولا ضرر عليه في ذلك.
وإن وكله: أن يشتري له عبدين صفقة واحدة، فإن اشتراهما من رجل واحد.. صح الشراء للموكل؛ لأنه لم يخالف إذنه، وإن اشتراهما من رجل أو رجلين في صفقتين.. لم يصح الشراء للموكل؛ لأنه خالف إذنه؛ لأنه قد يكون له غرض في أن يبتاعا له صفقة، وإن اشترى عبدين مشتركين بين رجلين في صفقة واحدة.. فقد
قال أبو العباس: يصح الشراء للموكل؛ لأنه ابتاعهما صفقة واحدة، فهو كما لو كانا لرجل واحد. وقال الشيخ أبو حامد: لا يصح الشراء للموكل؛ لأن عقد الواحد مع اثنين في حكم العقدين، فلم يصح، كما لو اشتراهما من رجلين في صفقتين.
وإن ابتاع الوكيل العبدين من رجلين، لكل واحد عبد في صفقة واحدة منهما.. فقد قال أبو العباس: لا يصح الابتياع للموكل في قول من يجيز هذا البيع وفي قول من لا يجيزه؛ لأن عقد الواحد مع الاثنين في حكم العقدين. هكذا ذكر الشيخ أبو حامد في "التعليق"، والمحاملي في " المجموع "، وقال ابن الصباغ: إن قلنا: إن الرجل إذا ابتاع ذلك لنفسه، لا يصح الشراء له.. لم يصح الشراء هاهنا للموكل، ولا للوكيل، وإن قلنا هناك: يصح.. فهل يصح الشراء هاهنا للموكل؟ على الوجهين في الوكيل إذا اشترى عبدين من رجلين شركة بينهما صفقة واحدة.

.[مسألة: يلزم الوكيل البيع بنقد البلد]

وإذا وكله في بيع سلعة، أو شرائها، وأطلق.. لم يجز له أن يبيع ويشتري بغير نقد البلد، وبه قال مالك، ومحمد، وأبو يوسف.
وقال أبو حنيفة: (يجوز أن يبيع بغير نقد البلد). فخالفنا أبو حنيفة في البيع ووافقنا في الشراء.
دليلنا: أنه عاوض بما ليس من غالب نقد البلد، فلم يصح مع الإطلاق، كما لو باع المنافع، ولأن إطلاق البيع والشراء يرجع إلى نقد البلد، كما نقول فيمن باع بثمن مطلق.
إذا ثبت هذا: فإن لم يكن في البلد إلا نقد واحد.. باع الوكيل به واشترى، وإن كان في البلد نقدان، فإن كان أحدهما أغلب في المعاملة.. باع الوكيل به واشترى، وإن كانا غالبين.. عقد بالأنفع للموكل؛ لأنه مأمور بالنصح له، فإن استويا في النفع.. عقد بما شاء منهما؛ لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر.
وإن وكله أن يبيع ويشتري بنقد معين.. لم يجز له أن يعقد بغيره، كما لو وكله في شراء عبد.. لا يجوز له أن يشتري جارية.

.[مسألة: وكله بالشراء من مال بعينه]

إذا دفع إلى رجل مالا، وأمره أن يشتري له بعينه عبدا، فاشترى له عبدا بثمن في الذمة.. لم يصح الشراء للموكل؛ لأنه إنما وكله في التصرف في ذلك المال المعين لا في غيره، ولأن للموكل غرضا في أن لا يشتري له إلا بعين ذلك المال؛ لأنه إن سلم ذلك المال.. سلم له المبيع، وإن تلف قبل القبض.. بطل البيع، ولم يلزمه شيء في ذمته، وإذا اشترى له الوكيل بثمن في الذمة.. لزمه الثمن، تلف المال أو لم يتلف، وفي ذلك ضرر عليه لم يرض به.
وإن وكله أن يشتري له عبدا بثمن في الذمة، وبنقد من المال الذي دفعه إليه. فإن فعل الوكيل ما أمره فيه من ذلك.. صح الشراء للموكل، وإن خالف فاشترى له العبد بعين المال.. ففيه وجهان:
أحدهما: يصح الشراء للموكل؛ لأنه أقل غررا من أن يبتاع له بثمن في الذمة لأنه يلزمه الثمن مع بقاء المال المعين، ولا يلزمه إذا تلف قبل القبض.
والثاني: لا يصح الشراء، وهو الصحيح؛ لأنه خالف إذنه؛ لأنه أمره بعقد يلزم مع بقاء المال المدفوع، ومع تلفه، فعقد عقدا يلزم مع بقائه، ولا يلزم مع تلفه، فلم يصح.
وإن دفع إليه مالا، وأمره أن يشتري له به عبدا، ولم يقل: بعينه، ولا في الذمة.. ففيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو إسحاق:
أحدهما: أن مقتضى ذلك الشراء بعين المال؛ لأنه لما دفع إليه المال، وأمره بالشراء.. كان الظاهر أنه أمره بالشراء بعينه.
فعلى هذا: إذا اشترى له بثمن في الذمة.. لم يلزم الموكل.
والثاني: أنه لا يقتضي الشراء بعين المال، ولا في الذمة، فيجوز له أن يشتري بعين المال، ويجوز له أن يشتري بثمن في الذمة، وينقد الثمن من المال؛ لأن الأمر مطلق.

.[مسألة: شراء الوكيل بثمن في الذمة]

إذا وكله أن يشتري له سلعة، ولم يدفع إليه الثمن، فاشترى له بثمن في الذمة.. ففي أي ذمة يتعلق الثمن؟ فيه ثلاثة أوجه لأبي العباس:
أحدهما ـ وهو الصحيح ـ: أن الثمن يجب للبائع في ذمة الموكل، ويكون الوكيل ضامنا على الموكل بالثمن؛ لأن الموكل ينتقل إليه ملك المثمن، فكان عليه الثمن، كما لو قبل العقد لنفسه، والوكيل لما تولى العقد.. فقد دخل على أن المطالبة عليه، فصار ضامنا للثمن.
فعلى هذا: للبائع أن يطالب أيهما شاء بالثمن، فإذا قبضه من أحدهما.. برئا من حقه، وإن أبرأ الموكل.. برئ الوكيل، وإن أبرأ الوكيل.. برئ وحده، ولم يبرأ الموكل، وإن أخذ الحق من الوكيل.. رجع الوكيل على الموكل؛ لأنه لزمه بإذنه، وإن أخذ الحق من الموكل.. لم يرجع الموكل به على الوكيل.
والوجه الثاني: أن الثمن يجب للبائع في ذمة الوكيل؛ لأنه هو الذي قبل العقد، ولا يكون للبائع مطالبة الموكل بشيء؛ لأنه ما قبل منه العقد، إلا أن الوكيل ثبت له في ذمة الموكل مثل ما ثبت في ذمته للبائع؛ لأنه التزم ذلك بإذنه.
فعلى هذا: للوكيل أن يطالب الموكل وإن لم يطالبه البائع، وإن أبرأ البائع الوكيل.. لم يبرأ الموكل، وإن أبرأ الوكيل الموكل.. برئ.
والوجه الثالث: أن الثمن يجب للبائع في ذمة الوكيل، ولا يثبت في ذمة الموكل للبائع ولا للوكيل شيء؛ لأن الذي باشر العقد هو الوكيل، فكان الثمن عليه، كما لو عقد لنفسه.
فعلى هذا: للبائع مطالبة الوكيل بالثمن دون الموكل، فإذا دفع الوكيل الثمن إلى البائع.. رجع به على الموكل؛ لأنه وجب عليه بإذنه، وإن أبرأ البائع الوكيل.. لم يرجع على الموكل بشيء، كما قلنا فيمن أحال غيره بحق على من لا حق له عليه.
وفرع أبو العباس على هذا الوجه: إذا قال الرجل لغيره: بع عبدك هذا من زيد بألف في ذمتي، فباعه.. صح البيع، ولزم الثمن الآمر دون المشتري.
والأول أصح؛ لأنه لا يجوز أن يملك المثمن ولا يملك عليه الثمن، ولا أن يثبت الثمن لغير من ملك من جهته المثمن.

.[فرع: للموكل الخيار ما لم ينقد الوكيل الثمن]

فإن دفع إليه ألف درهم، وأمره أن يشتري له عبدا بألف درهم في الذمة. وينقد الألف فيه، فابتاع الوكيل العبد بألف في الذمة، فجاء لينقد الألف، فوجده البائع معيبا.. فالبائع بالخيار: بين أن يقبضه معيبا، وبين أن لا يقبضه، فإن قبضه.. فلا كلام، وإن لم يقبضه.. كان له المطالبة بألف سليمة.
وإن تلفت هذه الألف في يد الوكيل قبل أن يقبضها البائع.. تلفت من مال الموكل، ولا شيء على الوكيل؛ لأنه أمانة في يده قبل أن يدفعها، وإن قبضها البائع، ثم وجدها معيبة.. كان له ردها، والمطالبة بألف سليمة، فإذا رده البائع على الوكيل.. قال المحاملي: فإن اختار الوكيل إمساكه معيبا، ويعطي البائع من عنده ألفا سليمة.. فعل، وإن اختار رده للموكل، ليرده له سليما، ليدفعه إلى البائع..
فعل، فإن قبضه الوكيل من البائع، ليرده على الموكل، فتلف في يده من غير تفريط.. فهل يجب على الوكيل ضمانه؟
إن قلنا: إن الثمن وجب للبائع في ذمة الموكل دون ذمة الوكيل، وإنما الوكيل واسطة.. كان تلف هذا الألف من ضمان الموكل؛ لأنه أمانة في يد الوكيل.
وإن قلنا: إن الثمن وجب للبائع في ذمة الوكيل دون ذمة الموكل، وللوكيل مثل ذلك الثمن في ذمة الموكل.. كان تلف الألف من ضمان الوكيل؛ لأن الموكل لما دفع إليه الألف ليدفعه إلى البائع.. فقد دفع إليه مالا ليسقط به الثمن الذي في ذمة نفسه عما لزمه من جهته، فلما لم يدفعه.. فهو أمانة في يده، فإذا دفعه.. ضمنه حينئذ؛ لأنه صرفه بدين في ذمته، فهو كما لو أودعه وديعة، وقال له: إن احتجت إليها، فأنفقها، فما لم ينفقها.. فهي أمانة في يده، فإذا أنفقها.. ضمنها، كذلك هذا إذا دفعها.. ضمنها، فإذا ردها البائع عليه.. عادت إلى ضمانه الأول.
فعلى هذا: إذا دفع الوكيل إلى البائع ألفا سليما.. كان للوكيل على الموكل ألف سليم؛ لأنه وجب عليه بإذنه، وللموكل عليه ألف معيب، فإن وجد الوكيل مثل المعيبة.. ردها على الموكل، وأخذ منه ألفا سليما، وإن لم يجد مثلها.. دفع إليه قيمتها، ولا يرجع عليه بالأرش؛ لأنه ربا.
فإن دفع إليه درهم ليشتري له بعينها عبدا، فاشترى له عبدا بعينها، ثم وجد بها البائع عيبا، فإن كان العيب من غير جنسها، بأن خرجت رصاصا أو نحاسا.. فالبيع باطل، لأن العقد وقع على الدراهم، وليست هذه بدراهم، وإن كان العيب من جنسها، بأن خرجت الدراهم مضطربة السكة، أو ناقصة الوزن.. فالبيع صحيح، ولكن يثبت للبائع الخيار: بين أن يمسكها، وبين أن يردها، فإن أمسكها.. فلا كلام، وإن ردها.. بطل البيع؛ لأن الثمن المعين إذا رد.. بطل البيع؛ لأنه لا يملك المطالبة ببدله، فإن تلفت الدراهم في يد الوكيل قبل أن يردها إلى الموكل من غير تفريط.. لم يجب عليه ضمانها؛ لأنها أمانة في يده بكل حال.

.[مسألة: وكله بالبيع عاجلا فباعه مؤجلا]

وإن وكله أن يبيع له سلعة بثمن حال.. لم يجز أن يبيعها بثمن مؤجل؛ لأنه خلاف إذنه.
وإن وكله ببيعها، وأطلق.. لم يجز أن يبيعها بثمن مؤجل، فإن باعها بذلك.. بطل البيع، وبه قال مالك، وأبو ثور.
وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد: (يجوز أن يبيعها مؤجلا ولو إلى ثلاثمائة سنة).
دليلنا: أن الإطلاق يقتضي الحلول، كما لو قال: بعتك هذه السلعة بدينار. فإن الثمن يكون حالا.
وإن وكله أن يبيع بثمن إلى أجل مقدر.. لم يجز له أن يبيع إلى أجل أكثر منه؛ لأنه خلاف إذنه، وإن أذن له في البيع إلى أجل، ولم يقدر الأجل.. ففيه أربعة أوجه:
أحدها ـ وهو الأصح ـ: أنه لا يصح التوكيل؛ لأن الآجال تختلف، وذلك غرر من غير حاجة، فلم يصح كما لو قال: بعتك بألف إلى أجل.
والثاني: يصح التوكيل، ويبيع إلى ما جرت به العادة في التأجيل بالثمن في مثل تلك السلعة، فإن لم يكن فيه عرف.. باع بأنفع ما يقدر عليه؛ لأنه مأمور بالنصح لموكله.
والثالث: يصح البيع إلى أي أجل شاء الوكيل؛ لعموم إذن الموكل.
والرابع: يبيع إلى سنة، ولا يبيع إلى أكثر منها؛ لأن الآجال المقدرة بالشرع إلى سنة، وهو مثل الجزية والدية.